بوشنيات 03: مباهج بسيطة

الساعة 4:50 لا زلت نائمًا، لكني أسمع بوضوحٍ صوت سيارة جارنا ذات العربة، نفس الموعد يتكرر دومًا صيفًا شتاءً، حتى في يوم العيد. والموعد الثابت ليس محددًا بالساعة (4:50) وإنما هذا التوقيت المضبوط هو ما صادف كتابتي لهذه الأسطر. الموعد هو بعد إتمام صلاة الفجر (في المسجد فيما قبل كورونا). لذلك إن سمعت هذا الصوت وأنا في فراشي فهذا يعني أني تكاسلت ولم أستيقظ للصلاة، وأنه مر من وقت الصلاة قرابة العشرين دقيقة. والآن أنتم تتساءلون لماذا يشعل سيارته في هذا الوقت كل يومٍ. الجواب: يريد تسخين المحرك لاستعمالها J -ربما كنتم تعرفون هذا- الجواب: يتجه لبستانه ليعتني بأشجاره ونخيله (وربما أغنامه، لا أدري إن كان يملك أغنامًا لأني لم أزر بستانه يومًا). وكيف عرفت أنه يعتني بأشجاره إن لم أزره وليس قاتلًا متسلسلًا مثلًا؟! أولًا هو جاري، ثانيًا لأنه أهدانا قبل أيامٍ حباتٍ من التين قطفها، وهو يفعل ذلك كل مرةٍ مع باكورة باقي الثمرات. (صراحةً لم أقتنع بحجتي) لكنه ليس موضوعنا اليوم فلنتجه للوعد الذي قطعته في التدوينة السابقة:

مما التقطته عدستي 📸

لأن ذاكرة هاتفي حذفت تمامًا (أُعيد هذا للمرة الألف) فقد قررت التعويض عن الصور الرائعة -التي كان من المفترض أن تزين اليوميات السابقة-  بهذه الصور التي التقطتها في ضواحي ضواحي براقي (ضواحي الثانية مقصودة وليست خطأً كما يقول برنامج الوورد)، ويأتي هذا استلهامًا من جولة طريف مندو في بازارات تركيا ومن دعوة أبو إياس.

الصور من الضواحي المنسية في البلدية شبه العاصمية “براقي”، البلدية التي نشأت فيها.

لاحظ أن الصور كلها بجودةٍ منخفضةٍ، وهذا لأني التقطت الصور وأنا أمشي دون توقف وأحاول أخذ صورٍ دون أن يلمحني أحد. قانونيًا كل ما يحدث في الفضاء العام ملكٌ عام، لذلك فالصور قانونية لكن قد يتحسس البعض من رؤية غريبٍ يصوره خصوصًا في هذه الأحياء الجانبية. لهذا فهي هكذا J

وأتساءل كيف يلتقط مصوري الشوارع صورهم بكاميراتٍ تجذب إليهم أنظار الكل ومع ذلك تبدو صورًا مختلسةً خفيةً؟

يوميات 🎈

حكيت في اليوميات السابقة عن تحضيراتنا للسفر، وفي الحقيقة فقد نشرت التدوينة السابقة يوم سفري. مكان الانطلاق منزلنا بالعاصمة والوجهة منزلنا بالبلدة الأصلية (القرارة، ولاية غرداية)، المسافة 600 كلم نقطعها بين 6 ساعاتٍ و12 ساعة. ونقطع هذه المسافة ذهابًا وإيابًا مرتين سنويًا في المتوسط –أحيانًا أقل وأحيانًا أكثر-. وتكبد عناء هذا التنقل هو أمرٌ مألوف لدينا ولدى مجتمع بني مزاب، مثلما كان أجدادنا ينتقلون للعيش بين منزل المدينة (أغرم) والمنزل الكائن بالبستان (لْحوش) بين الشتاء والصيف. غير المألوف هذه المرة أني سأكون أنا السائق: أي أني لن أنام عكس عادتي.

بمجرد أن نخرج من مديننتا نجد أنفسنا على الطريق السريع شرق-غرب أحد أضخم مشاريع البنية التحتية في الجزائر، وكما هو واضحٌ فهو يربط شرق الجزائر بغربها، عاداتنا في الانطلاق أن يعتاد كل واحدٍ منَّا على مقعده وكرسيه ثم نحاول توقع ساعة الوصول، فالإنسان دائمًا ما يحاول خرق حجب المجهول ليقنع نفسه بأنه يتحكم في الأمور. بعد ذلك ربما نتصل ببعض من قد يهمهم معرفة خبر سفرنا كالجدة مثلًا، أمي لا تحب أن تقوم بهذا قبل الانطلاق. العادة التالية هي قراءة وردٍ من القرآن جماعيًّا (التكاثر-الناس غالبًا). وبعد ذلك توزع علينا أمي بعض قطع الحلويات لتفادي الدوار.

بإتمامنا لهذه العادات نكون قد خرجنا من الطريق السريع الذي يشق سهول متيجة، السهول التي كانت حقولًا ممتدةً من أجود الأراضي الزراعية، وكانت تمون الجزائر بالحبوب وتصدر الخمور لأوروبا أيام الاستعمار الفرنسي، لا زالت حقول العنب موجودةً لكن أغلب الأراضي أصبحت إما إسمنتًا بما فيها مدينتي براقي وما جاورها من المدن، أو حقول قمحٍ. بعد الخروج من طريق شرق-غرب ندخل طريقًا سريعًا آخر وهو الطريق الوطني رقم واحد 01، يصل شمال الجزائر بجنوبها، ويتجاوزها إلى وسط إفريقيا (وهو جزء من طريق الوحدة الإفريقية أيضًا).

يمر الطريق بالعديد من البساتين التابعة لسهول متيجة دومًا ثم بعض المدن والمطار العسكري بالبليدة، ثم نأتي إلى جبال الشريعة التابعة لسلسلة جبال الأطلس التلي الممتدة من تونس حتى المغرب. وهنا نأخذ طريقًا جديدًا في أعلى الجبل يتوسطه نفقٌ طويلٌ من أطول الأنفاق يقارب العشر كيلومترات في طوله الإجمالي، مقسم إلى جزئين تفصلهما مسافة قصيرة، ويدعى بنفق الشفة. المنظر طوال هذا النفق ثم المرتفعات التي تأتي بعده قطعةٌ من الجنة، مناظر جبلية، واخضرار ساحرٌ لا تصاب بالتخمة من كثرة تأمله. بعد الجبال تأتي الهضاب العليا حيث البسطان المتنوعة الألوان من مختلف المحاصيل الزراعية. المنظر أشبه بزربيةٍ مزركشةٍ لم يلتزم ناسجها بلونٍ واحدٍ بل يدمج أية قطعة قماش من أي لونٍ يجده، اللونان الغالبان هما الأصفر الذهبي والأخضر. بالتوغل جنوبًا أكثر نبدأ في فقدان مظاهر الحياة وتصبح الهضاب أكثر جفافًا لنجد السهوب المنبسطة على تخوم مدينة الجلفة الرابطة بين الصحراء والهضاب، الجلفة تعرف بسلالة الكباش المسماة أولاد جلال، وسهوبها عبارة عن تضاريس صخرية-رمليةٍ مع الكثير من نبات الحلفاء الذي تحبه الأغنام.

تمر علينا في الطريق أيضًا بضع بساتين، وأحيانًا بضع أشجارٍ، وأذكر من تلك الأشجار كلها بقعةً يحلو لنا الوقوف عندها دومًا لتناول الفطور ونسيان عذاب الطريق. لا أعرف صراحة أي نوعٍ من الأشجار هي لكنها طويلةٌ كثيرة الأفرع ظليلةٌ حتى ليمكن أن تجلس تحتها 10 عائلاتٍ معًا. أذكر هذه الشجرة منذ صغري وأذكر تعجبي من نملها الكبير وعبثي به، ثم تصويري له حين بدأ شغف التصوير. كما أن الكلاب النابحة والأرجوحة المرتجلة كلها تفاصيل متضمنة في هذه البقعة التي تنتمي لذكرياتنا أكثر من انتمائها للواقع. هذه المرة وعلى غير العادة لم نقف عندها إلا نصف ساعةٍ.

يستمر الطريق في مناوبة بين السهوب الصخرية المليئة بالحشائش، ومجموعاتٍ من الأشجار من بينها حزام الأشجار المسمى “السد الأخضر” الذي ينجزه الجيش الشعبي الوطني للوقف من زحف الرمال على المناطق الزراعية لكنه كأغلب المشاريع لم يجاوز مراحله الأولى من سبعينيات القرن الماضي. وخلال هذا الطريق مررنا بالقطعة التي رأينا فيها الموت ماثلًا: كان اليوم عيد ميلادي الواحد والعشرين 19 جانفي 2020، وكنا متجهين مثلما نفعل الآن من العاصمة نحو غرداية لشهود جنازة جدتي التي توفيت يومًا قبل ذلك. الجو صباحي مضبب، الطريق سالكةٌ والسرعة معتدلة، سنة من النوم تأخذني من حينٍ لآخر. وفجأةً بعد أن نزلنا منحدرًا صغيرًا تواجهنا بركة ماءٍ تطايرت مياهها الموحلة لتحجب عنًّا الرؤية تنبهت في هذه اللحظة وأشرت أن هناك سيارة في الاتجاه المعاكس وأن سيارتنا انحرفت عن مسارها، وبانجلاء المياه عن الزجاج الأمامي أدركت أننا نعبر وادًا وأن مصيرنا إما السقوط أو صدم السيارة القادمة والموت كامنٌ في الخيارين. رأيت أبي يدير المقود بشدةٍ نحو اليمين دون أن تتغير زاوية سير السيارة درجةً. ثم فجأة صوت اصطدامٍ مكتوم. ثم لا شيء. جزءٌ من ذاكرتي هنا مفقود. لم أغلق عيناي لكني كذلك لم أر كيف تم الاصطدام. ثواني قرر عقلي فيها أنه لن يسجل شيئًا. تأكدت أن أبي –السائق- وأمي التي بجواري بخيرٍ  ثم نزلت بهدوء تامٍ وكأني لم أقابل الموت توًّا لأتفقد السيارة الأخرى. ثم تذكرت أني لم أتفقد باقي إخواني، عدت لتفقدهم فوجدتهم قد استيقظوا وبعضهم يضحك (لا يزالون غير واعين بما حدث للتو). اتجهت للسيارة الأخرى. أصبح جانبها الأيسر عبارة عن قوسٍ إلى الداخل، السائق بخير وعائلته المكونة من زوجته وابنيه بخيرٍ أيضًا، لكن الزوجة تبدو مصدومةً وكان السائق غاضبًا جدًّا، حدثت أمورٌ روتينية هنا أتجاوزها وحضرت الشرطة وأبلغني أن فقدان السيطرة على المركبة بسبب برك المياه هذه أمرٌ يعرفه (كنت ألعن في تلك اللحظة من ترك هذه الحفر التي تسمح بتشكل البرك على الطريق وألعن النظام الذي لا يجعل مثل هذا الشرطي الذي يشهد عدة حوادث من هذا النوع يتواصل مع الجهات الوصية لإصلاح الخلل). ثم واصلنا الطريق كلنا إلى الوجهة النهائية عبر عددٍ من السيارات التي استعملت نفس الطريق وكانت متجهة لنفس الوجهة وكانوا لطفاء كفايةً ليعرضوا إقلالنا مجانًا. واللطف الأكبر في القصة هو لطف الله الذي نجانا من السقوط في الوادي بوجود تلك السيارة التي فشلت في تجنبنا رغم المسافة التي كانت بيننا. كانت التذكرة من الحادثة بالغةً. فعادة الإنسان حين يتوفى أحد الكبار (جدتي التي كنا ذاهبين لتشييع جنازتها في هذه الحالة) أنه يقول في نفسه أني أنا أيضًا سأشيخ وأموت، لكن الحادثة جعلتنا نتيقن أن الموت لا ينتظر خمود الحزن على الميت ليأخذ آخر، وأن الفرق بين حياتنا بكل صخبها والموت بكل سكونه هو إرادة الله. وكان تذكرةً من الله أنه وحده الحافظ (الغريب أنها كانت السفرية الوحيدة التي لم نبدأها بعاداتنا المذكورة أعلاه –تلاوة القرآن جماعةً خصوصًا-).

حسنًا نعود لرحلتي الحالية، الوصول إلى الجلفة يعني الوصول إلى منتصف الطريق. وفي هذه النقطة من الزمان والمكان كانت كل أحقاد الشمس تجاه البشر الذين يرتكبون المخازي تحت بصرها موجهةً إلينا –نحن الأبرياء- رأسًا، لذلك تحولت السيارة المفتقرة لنظام تكييف إلى فرنٍ حديديٍّ بأربع عجلاتٍ. ولم يكن يواسينا في محنتنا هذه إلّا سحابةٌ شريدةٌ تذكرنا بركام السحاب الذي أذكره عام 2008 وسأذكره في بوشنيةٍ قادمة. كما تذكرني هذه السحابة الشريدة ذات شكل الصوف المنفوش بحياتي أنا التائه، المتجه دومًا لموطنه حيث أحلامه، وتمنعني من الوصول افتقاري لقوة دفعٍ ذاتية كافيةِ، فأكتفي بالرياح التي تعبث بي حينًا وتهب وفق هواي أحيانًا أخرى.

بعد الجلفة لا تجد هناك حواضر كثيرة عدا مسعد، التي حاولنا أن نسلك فيها طريقًا غير المعتاد فوجدنا أنفسنا في شوارع بالكاد تكفي لراجلين معًا. الطريق هنا خاليةٌ تمامًا، ولا يزال بإمكاني رؤية السحابة الشريدة، لا أدري إن كانت تتبعنا أم أني أختلقها في ذهني. الطريق مقفرةٌ تمامًا نحن هنا في الصحراء فعلًا، وتتناوب على جانبي الطريق الرمال الذهبية ومناظر الصخور، ومن حينٍ لآخر نلمح واحةً وربما جمالًا. يمتد هذا الجزء لـ100 كيلومتر وهي متعبةٌ للسائقين لأن لا شيء جديدٌ هنا، تسلم أبي عني عجلة القيادة لبضع كيلومترات كي أستعيد نشاطي. الملل والقلق والتعب الذي تجمع فيما جاوزناه من الطريق يتجمع الآن ليجد الفرصة المناسبة ليطفو، فنتشاغل أحيانًا بالمذياع أو الأحاديث إن بقي من الركاب شخصًا مستيقظًا. حتى يأتي الفرج في ذلك المنحدر المحروس بجبلين رمليين أحمرين، إنه علامة الوصول لأني سأرى بعد المنحدر مدينة القرارة، هنا تتبخر كل تلك الأحاسيس، ويشعر المرء بأنه في الوطن وينسى أنه كان مسافرًا ينسى التعب وينسى حتى كم صبر. ندخل المدينة من ظهرها فنتأمل في الوجوه طامعين أن نجد أحدًا نعرفه كي نتبسم في وجهه ببلاهة. نصل فنحمد الله على نعمة السلامة، كم من شخصٍ خرج مثلنا من نفس الوجهة ويحمل في صدره نفس أمل الوصول لكنه لم يصل إلا في كيس الجثث.

مدينة القرارة، من بين كل مدن العالم هي وحدها وطني! كل مدينةٍ غيرها تسرّب إليّ شيئًا من الغربة والاغتراب. حتى مدينة الحراش التي ولدت بمستشفى فيها، ومدينة براقي التي سكنت فيها منذ ذاك حتى الآن. أعتبر نفسي بطريقةٍ ما منتجًا لهذه المدينة ومجتمعها. لا أزورها إلا في بعض العطل الرسمية من أجل صلة الأرحام أساسًا. أشعر بنشوة الانتماء إليها حين ألبس الطاقية البيضاء المميزة مع السروال التقليدي العريض وأتجول في شوارعها الضيقة تحت أشعة الظهيرة الحارقة (لا تدوم النشوة طويلًا بهذه الطريقة لأن أشعة الشمس تكون قد فعلت فعلتها في مخي).

يستغرب البعض ممن نتشارك نفس الأصول عن صبري على الجلوس في هذه المدينة في حين لا أعمل ولا أدرس هناك وليست مدينةً سياحية لدرجة أني أعود إليها كل عام! مدينتي تتيح لي حصرًا لقاء أفراد من العائلة وأصدقاءٍ مثلي يبتغون فضل الله في بقعٍ مختلفةٍ من الأرض ثم نلتقي في المدينة الأم. مدينتي تمثل بالنسبة لي نشاطًا ثقافيًا وأدبيًا (في عهد ما قبل الكورونا خصوصًا) لا أجده حتى في العاصمة! مدينتي تعطيني إمكانية الخروج من المنزل والغياب عنه في أي وقتٍ من النهار أو الليل دون أن ينتاب والداي قلق.

يبدأ النهار هنا بعد صلاة الفجر، في الأيام العادية غير العطل، لو تستيقظ في هذا الوقت ستتعجب من حيوية المدينة، أرتالٌ من الرجال يعودون من المسجد بعباءاتٍ وطاقياتٍ بيضاء، وجماعاتٍ من الأطفال بمختلف الأعمار يرتدون حقائبهم ويتجهون نحو الكتاتيب (توقفت هذه العادة مؤقتًا بسبب الظروف الأمنية). الرجال يعودون لمنازلهم، أصحاب المهن الحرة عادةً ما يخرجون بمجرد تبديل ملابسهم. لكن الأغلبية تعود للحياة مرةً أخرى على الثامنة مثل باقي البلاد. التلاميذ يعودون من الكتاتيب قبيل الثامنة ليتناولوا الفطور ويرتدوا ملابس المدرسة الرسمية. الفترة الصباحية الأولى تنتهي بأذان الظهر، فيتجه الغالبية لمنازلهم من أجل الغذاء ثم أخذ القيلولة (تتفاوت مدتها حسب عمل الشخص) لتعود الحياة بعد نصف ساعة من صلاة العصر أي بعد تناول الشاي، فترة ما بعد العصر هي للعمل أيضًا لكنها أيضًا للزيارات العائلية وصلة الأرحام وفي العطل هي للأنشطة الثقافية أما للمراهقين (وغيرهم) فمخصصة لمباريات كرة القدم. وتنتهي بصلاة المغرب، أين تبدأ الحيوية بالخفوت مجددًّا عدا التلاميذ الذين يعودون للكتاتيب وبعض النشاط الظاهر في الشوارع الرئيسية إلى نصف ساعةٍ تقريبًا بعد صلاة العشاء، حين يأوي الكل إلى منازلهم. وينتهي اليوم رسميًّا.

في العطل لا يختلف الأمر كثيرًا، الفترة ما بين الإفطار وصلاة الظهر هي للعمل مهما كان! فشخصٌ مثلي إما سينجز أعماله الحرة عبر الأنترنت، أو يقضي حوائج البيت، وإن لم أقم بأيٍّ من هذا فالواجب عليّ أن أتجه للبستان وأساعد في الأشغال (أحيانًا أشغل نفسي بكتابٍ أطالعه، ورغم أنه عمل وطلبٌ للعلم تقنيًّا إلا أني أشعر بأني أزاحم النساء في المكوث بالبيت). فترة العصر إلى ما بعد العشاء تزدهر فيها أماكن الترفيه (الملاعب، محلات المشروبات –غير الروحية طبعًا-،…) أما ما بعد صلاة العشاء فتبدأ حياةٌ جديدة للشبان خصوصًا خارج البلدة في البساتين أو ربما في واحات الصحراء أين تجرى سهرات الخلان خصوصًا يوم الخميس(إيبهان)، فيمكن لأي زائرٍ أن يلحظ حركةً غريبةً للدراجات النارية قبيل المغرب ويمكنه أن يلحظ مثلها بعد منتصف الليل أو في الصباح الباكر.

ولأن المجتع متشبعٌ بثقافة العمل، فحتى الأطفال لا يُتركون وشأنهم (في الفترة الصباحية خصوصًا) ويشغلون بمختلف الأشغال، وخصوصًا أعمال البستان (التي سأذكر شيئًا منها في التدوينة القادمة). وقد يسمي البعض هذا عمالة أطفالٍ، لكنها التربية على الرجولة والجد والكد.

هل أنت متأكد أن هذه ليست عمالة أطفال؟ (النوم على العربة مجرد لعب!)

منذ كنت صغيرًا كنت أغبط أبناء البلدة على تعلمهم خدمة النخلة، فتجدهم يتسلقونها ويلجون قلبها ويعرفون طرق تلقيحها وتنظيفها وتعديل عراجينها، كما يعرفون أسماء تمورها ويميّز بينها بعضهم من خلال أشكال سعفها. أما أنا فلا أجيد التسلق إلا قليلًا ولا أميز إلا بين أنواعٍ معدودةٍ من خلال أشكال ثمراتها واختلاف ألوانها ولم أنظف من النخيل إلا ما كان دانيًا. خدمة النخيل مهنةٌ مجزيةٌ لكثرة النخيل، ويتخصص فيها البعض كليةً.

باذنجان مشوي مع شاي كفطور متأخر في البستان

إحدى المتع والعادات في البلدة هي نزهة يوم الجمعة، أين تتجه العائلات التي تملك بساتينًا إلى بساتينها لتتناول فيها فطورها في أجواءٍ عائلية وربما اجتمعت عائلتان أو أكثر فتتضاعف البهجة. كما تحوي بعض البساتين على أحواضٍ تُنشأ في الأساس للسقي، لكن البعض يحوّل الحوض أو يتعمد من البداية بناءه على شكل مسبحٍ صغيرٍ تنتعش الأجساد بالسباحة فيها، خصوصًا في فترة الظهيرة أين تتسلط الشمس بأشعتها على الجلود. وربما امتلكت بعض العائلات بساتين مهيّأة للسكن فتجد بساتينها تتحول إلى منتجعاتٍ سياحيةٍ خيرية. ولطالما آمنت أن إنشاء بستان بتصميمٍ بسيطٍ يحتوي على مسبحٍ صغيرٍ وأبسط وسائل الراحة قد يكون استثمارًا ناجحًا في البلدة. إلى أن عرفت مؤخرًا أنّ هناك من تبنى فكرةً مماثلةً فعلًا.

في الأيام الأولى لتواجدي بالبلدة كان روتيني كما ذكرت، لكن ذات قيلولةٍ استيقظت لأجد أن أضلاعي تأبى مفارقة الفراش، ليس من كسلٍ لكن من وهنٍ شديد. ظننت الأمر متعلقًا بالجهد البدني الذي بذلته صباح ذلك اليوم، فأكملت يومي بشكلٍ عاديٍّ. وفي اليوم الموالي بدأت أشعر بضيقٍ في التنفس وحمى خفيفةٍ، مع صداعٍ يبدأ فور الاستيقاظ ولا يتوقف. لم أعد قادرًا على إنجاز أي أعمالٍ ذهنيةٍ، لذلك كنت ألتجأ إلى العمل البدني، تفاديًا للبقاء في السرير، فالحكمة الطبية الشعبية تقول “المرض ما ترقدلوش” أي لا ترقد استسلامًا للمرض. تناولت نقيع عدة أعشابٍ تحضّرها أمي في مثل هذه الحالات لكن لم ينفع شيءٌ منها، ولم ألبث إلا يسيرًا حتى زاد عرض السعال، لم يعد النوم يريحني، بل كنت أشعر بالوهن طوال الوقت، أستيقظ وكأني أنهيت لتوي جلسة حمل أثقالٍ في صالةٍ رياضية! كما زاد ضيق التنفس فلم أعد أتحدث إلا بضع كلماتٍ، وكان أن شاركت في لقاء لممارسة الإنجليزية، فتحدثت بحماسةٍ لمدة تفوق الدقيقة وكان ضريبة ذلك سعالٌ مستمرٌ لقرابة الخمس دقائق أكاد ألفظ معه رئتاي خارجًا.

استمررت على هذا الحال خمس عشرة يومًا، وكما قد تكونون لاحظتم فإن هذه الأعراض هي أعراض الكوفيد-19. في البداية أنكرت أن يكون كذلك لأني مررت بنفس الأعراض بشدةٍ أكبر في بداية السنة (جانفي 2020) وقد تسببت حينها في عدوى لأخي الذي نام أيامًا في السرير لأول مرةٍ في حياته، وعدوى لأمي التي وهنت حينها، ثم لم تلبث العدوى أن أصابت جدتي فتوفيت في غضون أسبوعٍ (رحمها الله). ولأقطع الشك باليقين فقد اتجهت بعد خمس عشر يومًا إلى عيادةٍ عمومية، أخبرني الطبيب بطريقةٍ مطمئنةٍ وفي غاية اللطافة أنه من المحتمل جدًّا أن أكون مصابًا بالكوفيد-19 وطلب مني أن أجتنب والداي وأحجر نفسي في المنزل مع دزينةٍ من الأقراص. كان حريصًا على طمأنتي إلى درجة أنه لم يذكر كلمة “كورونا” في كلامه، ولا مرة! بل اكتفى بالتعريض والإشارة. وقارن هذا مع أطبةٍ آخرين لا يراعون الصحة النفسية لمرضاهم، ومنهم من ينذر المريض بأنه مصابٌ بالكورونا فيزيد معه مرضه مرضًا ليتبين في الأخير أنه سليمٌ منها (وقد حدث فعلًا).

لم أنعزل عن والداي في المنزل، لأن أغلب أمي وبعض أخواتي كنّ قد فقدن حاستي الشم والذوق قبل أن أصاب، لذلك إن كنت مريضًا بالكوفيد فقد أصيبوا قبلي. وقد تعافيت في غضون ثلاثة أسابيعٍ، تعطلت فيها عن الكثير من أشغالي وتراكمت عليّ الارتباطات، ولم أتمكن من إنجاز الكثير من التدوينات التي عزمت على نشرها واستغلال خلوي (النسبي) من الأشغال.

عيد الأضحى هذه السنة كان مختلفًا عن العيد السابق بسبب وباء كورونا وظروف الحجر بداهةً. كما كان مختلفًا عن عيد الفطر لاختلاف مناسكه ولاختلاف المكان بالنسبة لي. التشابه مع عيد الفطر أنه كان بهجةً خالصةً دون أدنى بهرجةٍ. لما استيقظت صباحًا ارتدت ملابسي المعتادة، حرصت على اختيار الأبيض، ثم صليت رفقة والداي وإخوتي وجدي صلاة العيد جماعةً على سطح المنزل. بعدها تناولنا فطورًا خفيفًا. لنتجه مباشرةً إلى البستان، بملابس مناسبةٍ للعمل (لا ملابس النزهة). ذبح الوالد أضحية جدي فيما ذبحت أنا للمرة الأولى أضحية الوالد. لم تكن العملية سلسةً كما ينبغي لكني قمت بها على أية حال. بعد الذبح يأتي السلخ فيما تتكفل النسوة بالطبخ والتحضير للغذاء. في هذه المرحلة أحبّ تناول أذن الخروف بعد أن تشوى وهو أول ما آكله من الخروف ولطالما أخذت منها النصيب الأوفر (وللإفادة فلم ينعكس هذا على حدة سمعي بأي شكلٍ من الأشكال). الطبق التالي هو الكبد ويكون جاهزًا عادة عند الانتهاء التام من الذبح. أما الغذاء فعادةً ما يكون متأخرًا في يوم العيد.

في عيد هذه السنة لم نلبس ملابس جديدة، ولم نزر أحدًا من العائلة الكبيرة. اكتفينا بالتهاني القلبية البعيدة بالهاتف حينًا وبمنصات التواصل أحيانًا أخرى. وشغلنا وقت الزيارة بتقطيع الخروف وتحضيره للتخزين. لم نكن في العادة ممن يُتخم في العيد وينهي لحم الأضحية في أيام قليلة، لكني مع ذلك فقد حرصت هذا العيد على الاكتفاء بالقليل من الطعام إراحةً للجسد. فلا شيء يفسد البهجة أكثر من جسدٍ مشغول.

ترتبط البهجة الروحية عندي بشكلٍ كبيرٍ بشعور الجسد بالخفّة والتحرر من “سيول” السيالات العصبية. القليل من الطعام يعني معدةٌ فارغة وبالتالي فعددٌ كبيرٌ من العصبونات المرتبطة بالجهاز الهضمي مرتاحةً. مما يعني انشغالًا أقل بالجسد وانتعاشًا للروح. وبنفس الشكل تقريبًا فإني في حالات الشعور بالهون والضعف الجسدي أشعر بالانطلاق الروحي ورهافة الإحساس. وأستثني هنا حين يلم بي مرضٌ أو ألم ذو ترددٍ (ألم الضرس مثالًا) وعكس الألم المتردد أن يكون الألم أو الضعف مستمرًا عامًّا. هذه العلاقة العكسية بين الجسد والروح ليست عامةً فلا شيء مثل العافية والسلامة من السقم، لكن يجدر الانتباه لها واستثمارها.

مما يثير البهجة أيضًا الانتباه للتفاصيل الدقيقة في حياتنا، ومن هذه المبهجات غير المبهرجات أسردُ عشرًا:

  • أن تجلس على جبلٍ فترقب غروب الشمس وبزوغ القمر.
  • أن تشهد لحظة ميلاد شهابٍ ومروره.
  • أن تراقب النجوم في مكانٍ خالٍ من التلوث الضوئي.
  • أن تصلك رسالةٌ لطيفةٌ مجهولة المصدر على صراحة.
  • أن تعرف أن عزيزًا لا يزال بخير.
  • أن تعرف صدفةً أن أحدهم يتابع أخبارك.
  • أن تخوض نقاشًا طويلًا تلمع فيه عيناك مرارًا.
  • أن تحادث عجوزًا فيستطيب الحديث حتى يودُّ ألا يقطعه.
  • أن تقص نكتةً سخيفةً فتُضحِك أمك وأباك.
  • أن تتناول كوب شايٍ بالنعناع خالٍ من السكر متقن التحضير.

أمرٌ آخرٌ مثيرٌ للبهجة لم أضمنه في القائمة، هي لقاءات اللغة الإنجليزية اليومية (Daily English Meetings). وصل عدد اللقاءات حدّ الآن إلى 160 لقاءً يوميًّا! وقبل أن أعرج إلى المحتوى أود أن أقدم نبذةً عن القصة الكامنة وراء DEM. بدأ الأمر قبل سنواتٍ قليلة لما انطلقنا في رابطة الوفاء (وهي جمعية أو نادي أنشط فيه) في عقد لقاءات لممارسة اللغة الإنجليزية عبر الإجابة عن أسئلةٍ متمحورةٍ في موضوعٍ واحدٍ –عادةً ما تكون المواضيع عن التجارب الشخصية-. استمر عقد اللقاءات زمنًا ليس باليسير ثم نقص الاهتمام بها. حاولنا عدة مرات إحياء اللقاءات لكن الفشل كان بالمرصاد كل مرةٍ إلى أن جاء الوباء –الذي لن أذكر اسمه-. حينها عقدنا لقاءً إفتراضيًّا عبر الزوم، لم أعتبر اللقاء الأول ناجحًا، لكن الرفيق إسلام الأطرش رأى أنه من الرائع لو يكون اللقاء يوميًّا، كانت الفكرة مجنونة ومع ذلك لم أتحمس لها لتزامنها مع قراري الابتعاد عن شبكات التواصل الاجتماعي. استمر الرفيق في عقد تلك اللقاءات وتدريجيًّا عبر شبكة معارفه العابرة للقارات التي كونها من أسفاره (الهند وأذربيجان) ونشاطاته، تمكن من الحفاظ على وتيرةٍ يوميةٍ بمساعدة عددٍ من الأشخاص الذين تحمسوا للفكرة وكانوا من الكرم أن أنفقوا من أوقاتهم لإنجاحها.

تحديث 15/11/2020: تجاوز عدد اللقاءات 200 لقاء.

اللقاءات الآن أصبحت ثريةً جدًّا، والبرنامج عبارة عن لقاءٍ يومي على تطبيق زوم ينطلق بلعبةٍ تعليمية تحفيزية، ثم درسٍ خفيفٍ لتحسين الرصيد اللغوي، ثم يقسم الحضور إلى مجموعات صغيرةٍ تتناقش فيما بينها موضوع اللقاء عبر الإجابة عن أسئلة محددةٍ سلفًا (وهذا هو الجزء الأهم). بعد الانتهاء من اللقاء الأول يعقد لقاءٌ آخر دون تحديد موضوعٍ معين، يجرى بكل عفويةٍ وتناقش فيه مختلف الأمور التي يمكن للأصدقاء نقاشها. إحدى الفقرات الأخرى هي فقرة التعرف على الثقافات أين يكلف أحد الأعضاء بتقديم عرضٍ حول ثقافته ومدينته.

تناسب اللقاءات كل مستويات متعلمي اللغة، لكنها تناسب المبتدئين (قد يضطرون في البداية للاستماع فقط) والمتوسطين، فيما تناسب اللقاءات الحرة المتقدمين في الإنجليزية.

للمشاركة انضم لمجموعة الواتساب حيث ينشر الرابط، ويمكنك الاطلاع على نشاطنا على الإنستجرام.

مما شاهدت 🎬

Spider Man Far From Home 2019

واحد من أفلام مارفل، ويستثمر في شخصية سبايدرمان بشكل مغايرٍ للأفلام السابقة –التي شاهدتها- إذ يركز أكثر على عنصر الفكاهة وعلى سبايدرمان المراهق. يأتي الفيلم استكمالًا لسابقه Avengers: Endgame (2019)، حين يجتمع المنتقمون الأفانجرز لإعادة توازن الكون بإيقاف ثانوس. في هذا الفيلم يقرر بيتر التخلي عن قواه الخارقة حين يذهب في رحلة مدرسية إلى أوروبا مع زملائه في القسم، لكنه مع ذلك يضطر لاستخدام قواه لإيقاف هجومٍ.

إضافةً لمستوى الفكاهة والحوارات الساخرة، فقد كانت المتعة البصرية في أوجها. إذ قررت شركة سوني استعراض قدراتها في التأثيرات البصرية في العديد من المشاهد.

⚠️ حرق قادم ⚠️

توني ستارك أو الرجل الحديدي كان قد ضحى بنفسه في الفيلم السابق، وكان قد ترك كإرثٍ تكنولوجيا متكاملة من الأسلحة المتصلة بالأقمار الصناعية ويقرر إعطاءها لسبايدرمان. يرى سبايدرمان أنه ليس جديرًا بتلك الأسلحة لكنه يضطر لاستخدامها لمساعدة ميستيريو في محاربة وحوش العناصر الأربعة. وحين يبدو للمشاهد أن عقدة الفيلم آخذة في الانفراج ويتم التخلص من الأشرار، يقرّر سبايدرمان الواقع تحت وطأة الضغط العاطفي لكونه خليفةً لتوني ستارك (آيرون مان) أن يستشير ميستيريو في أمر هذه التكنولوجيا، ميستيريو الذي عمل كثيرًا على اكتساب ثقة سبايدرمان يخبره أن كونه المكلف بهذه التكنولوجيا لا يعني أنه المكلف باستخدامها بل يمكنه توكيلها لغيره، وهنا يسلمه سبايدرمان تلك التكنولوجيا مستمرًا في قراره الأول عن التخلي عن حياة الأبطال الخارقين ليعيش حياته العادية كمراهقٍ.

وهنا أيضًا تأخذ الأحداث مسارًا غير متوقع إذ نرى ميستيريو الشرير الأكبر يستغل كل الناس الذين أحبطهم الرجل الحديدي ويوظفهم في مخطط إجراميٍّ كبير. العديد من الأفلام توظف هذا المفهوم: أن المتحمسين للشر ليسوا إلا أناسٍ متحمسين للخير لكن المجتمع خذلهم. ثم يبدأ الجزء الثاني من الفيلم وتظهر إشكالية جديدة (أترك لكم متعة اكتشاف طريقة تمثيلها) وهي إشكالية الأخبار الزائفة (Fake news) التي تقض مضجع العالم الواقعي الآن، كما يبشر الفيلم بعصرٍ قادمٍ من الأوهام لا يكاد المرء يفرق فيه بين الحقيقة والخيال، عالمٍ لا تكون فيه الأخبار إلا تغذيةً لفضول الناس وتوجيهًا لهم وليس تقريرًا لما في الواقع.

وفي عصر الأوهام يقرر بيتر (سبايدرمان) أن يثق في الحدس الذي يمتلكه، ليتمكن من تجاوز المظاهر الزائفة ويصل إلى الحقيقة. وبالحديث عن هذا فالفيلم نجح في تجسيد الضغوطات العاطفية التي يتعرض لها المراهقون لإثبات أنفسهم.

يستمر الفيلم إلى آخر لحظاته في إدهاش المشاهد وتحويل مجرى الأحداث، يمكنني اعتباره واحدًا من أحسن أفلام الأبطال الخارقين التي شاهدتها.

التقييم: 4/5 ⭐⭐⭐⭐

Miracle In Cell No 7

رجل بالغ يملك عقل طفلٍ يتهم بالقتل ويسجن جراء ذلك، فيقوم في الزنزانة رقم 07 بربط صداقةٍ بزملائه في السجن لمساعدته في رؤية ابنته الصغيرة.

صدر الفيلم عام 2013 من طرف المخرج الكوري جنوبي لي هوان جيونغ، وتم إصداره في البداية بأربعة لغات. وقد تم إعادة إصداره سنة 2019 من طرف مخرجٍ تركي ولاقى نجاحًا كبيرًا فكان الفيلم الأكثر مشاهدة في تركيا سنة 2019، كما استنتسخ الفيلم في أماكن أخرى مثل الهند.

رغم أن الفيلم مقتبس من قصة حقيقيةٍ إلا أن الفيلم حوى الكثير من المبالغات الدرامية خصوصًا في النسخة الكورية التي شاهدتها. يصنف الفيلم في فئة الميلودراما أو كما تسمى بالعربية “المشجاة” وهو اسمٌ على مسمى إذ سيشجيك ويسيل دمعك ومع ذلك سيضحكك ويجعلك تبتسم رغمًا عن الدموع التي تغالبها. بدءًا من اللقطة الأولى -بالون أصفر بهيج يرتفع في ساحة السجن ويعلق بالأسلاك الشائكة على جداره- يجسد الفيلم فكرة أن الحياة ليست سوى آمالٍ معلقةٍ. وأتذكر هنا قول تميم البرغوثي:

تعلق المرء بالآمال تكذبه *** بيع يزيد رواجًا كلما كسدا

جديلة هي من يأسٍ ومن أملٍ *** خصمان ما اعتنقا إلا ليجتلدا

بردة تميم

وطوال الفيلم يتأرجح البطل (الأخرق) بين اليأس والأمل، الأمل في رؤية ابنته واليأس من خروجه من السجن، اليأس من فساد القضاء والأمل في محاكمة نزيهة.

معجزة في الزنزانة رقم 07 (2013)

يعلي الفيلم من قيمة العواطف الإنسانية النبيلة مثل التضحية والحب ويؤكد على ندرتها من خلال تمثيلها في شخص الأب المعاق عقليًّا. كما يؤكد على قدرة هذه المشاعر في التغلب على الأوضاع العفنة داخل السجن، إذ يحول الزنزانة رقم 7 من تجمع للمجرمين إلى تجمع عائلي لأناس لا يزالون يحملون في قلوبهم طيبةً. ومع ذلك فهذه العفوية ومشاعر الحب هذه لا تعمل عملها في كل مكان فالدنيا تظل قاسيةً خارج السجن فكل شخصٍ له إكراهاتٌ عقلية وعاطفيةٌ عليه مراعاتها، ومراعاة هذه الأكراهات يحول البشر أنفسهم إلى قساةٍ بلا قلوب.

التقييم: 5/ 5 ⭐⭐⭐⭐⭐

Ip Man 4 The Finale

هذا الفيلم هوالجزء الأخير في سلسلة أفلام إيب مان المعروف بكونه مدرب بروسلي. ورغم أني لم أشاهد الجزء الثالث إلا أني سمحت لنفسي بمشاهدة هذا الأخير. لم يختلف كثيرًا عن سابقيه في الشكل العام للقصة: شجارات صغيرة ينتصر فيها وأخرى تنتهي بالتعادل ثم هزيمة كبرى تقود إلى المعركة الملحمية الأخيرة، وبينها تحدث بعض الدراما الاِجتماعية.

تتمحور الدراما الاجتماعية حول ثلاث أمورٍ أساسية الصراع بين الأجيال الذي يمثله صراع الأب إب مع ابنه، وصراع رئيس الحي الصيني مع ابنته، حين يكون للأب تصوراتٍ عن حياة ابنه ويريد فرضها مصادرًا حريته في اختيارمساره وما ينتج عن ذلك من مقاومة حتى لو كان المسار الأفضل. الصراع الثاني بين إيب ومعلمي الكونغ التقليديين لرفضهم تعليم بروس لي الفنون القتالية التقليدية لغير الصينيين واعتباره باحثًا عن الشهرة والمال ومتجاوزًا للأعراف والتقاليد. الصراع الثالث والأهم هو الصراع بين الثقافة الصينية والثقافة الأمريكية ويأخذ الصراع أشكالًا عدةً منها محاولة أحد الصينيين إضافة الكونغ فو كنشاطٍ ضمن أنشطة الجيش ورفض أحد المسؤولين لذلك ومحاولته إثبات دونية غير الأمريكيين. ومن أشكاله أيضًا المشاكل التي يعاني منها الصينيين في الإندماج داخل المجتمع الأمريكي. ويضع الفيلم الصينيين الذين يرفضون الاندماج في المجتمع الصيني والأمريكيين (يصور الفيلم أغلب الأمريكيين البيض كعنصريين!) الذين يرفضون الأجانب على طرفي النقيض باعتبارهم متطرفين ليصور أن المذهب الوسط هو تقبل مختلف الثقافات ويؤكد أن ذلك ما قام عليه المجتمع الأمريكي. الشكل الأوضح لهذا الصراع يتمثل في الصراع بين الكونغفو والكاراتي التي يتبناها الجنرال الأمريكي ويحاول فرضها في الجيش، كانت الصراعات بين ممارسي الرياضتين ممتعةً وكل الإثارة الموجودة في الفيلم تكثفت في حلبات النزال بصراعاتٍ قوية أضيفت لها لمسةٌ من الخيال.

يمكن اعتبار الفيلم لعدة أسبابٍ مجرد بروباغندا، وإنتصار للثقافة الصينية ورغم أنه يدعي أنه مبني على قصة واقعية إلا أنه يحتوي على الكثير من الأخطاء التاريخية أبرزها (ويا للخيبة) أن النزالات بين معلمي الكونغفو المذكورين وممارسي الكاراتي لم تحدث في أرض الواقع وهذا ينطبق أيضًا على معظم نزالات إيب مان في الأفلام الثلاثة السابقة.

التقييم: 2,5/ 5 ⭐⭐

مما قرأت 📚

أيها السادة اخلعوا الأقنعة، مصطفى محمود

مجموعة مقالات في الفكر والسياسة، يركز فيها على نقد الحضارة الغربية ومخرجاتها وكذا نقد الواقع العربي ويدعو إلى الإسلام كحلٍّ لكل ذلك.

في المقال الأول “الدعارة بالكلمات” يؤكد على حقيقة أننا نعيش في عصر الأوهام حيث تُقاد الشعوب إلى حتفها بقوة الإعلام وتضليله ويعيب فيه على الإعلام الغربي إزواجيته في استعمال المصطلحات، ويعيب في مقال “هل وصلنا إلى انعدام الرؤية” ما آلت إليه السياسة في العالم الإسلامي حيث لم يعد بالإمكان تمييز الصواب من الخطأ والظالم من المظلوم ويقول:

إن الكلمات التي يهتف بها –الطالب الذي يقود المظاهرة- في حماسٍ وبراءةٍ غالبًا ما يكتشف أنها لم تكن كاملةً وإنما هناك من مكر به ووضعها في فمه.

في مقال “عودة التتار” لفت انتباهي ذكره للماسونية ووصفها بمنظمة عالمية، العديد الآن لم يعد يؤمن بوجود الماسونية أساسًا ويعتبرها محض هلاوس مهووسين نتيجةً لما أُشيع عن هذه المنظمة من شائعاتٍ وما نسب إليها من مؤامرات. لكن وجودها ثابت تاريخيًّا –حد الساعة- ومصطفى محمود يعتبر أنها نشأت سنة 1748 وليس منذ فجر التاريخ (كما تدعي نظريات المؤامرة) ورغم أنه يعتبر الهدف من هذه المنظمة هو:

“تخريب النظم والعقائد عن طريق السيطرة على وسائل الإعلام وشراء الذمم بالمال والرشوة والجنس وإشعال الثورات تحت ستار جماعات سرية ظاهر نشاطها الخير والدعوة إلى الفضيلة”

إلا أنه يعيب نسب كل شرور العالم وكل الثورات ناجحها وفاشلها إلى المنظمة. وأرى هذا الهدف مبالغًا فيه، فمهما بلغ الإنسان من شرٍّ فإنما يفعل ذلك لمصلحةٍ له وراءه وليس للشر ذاته أي أنه قد تستعمل الماسونية الأساليب المذكورة في الهدف أعلاه لكن لا يمكن اعتبار تلك الأساليب غاياتٍ. في نهاية المقال يقترح حلولًا لتجنيب الشباب من التيارات العدمية المنبثقة من الماسونية.

“الفوضى والأمل” ينتقد فيه نتائج تفشي الزنا والإنحلال في ألمانيا وأثره على بنية الأسرة ويشرح كيف يحل الإسلام تلك المشاكل.

ينتقد في عددٍ من المقالات سياسات الدول الإسلامية (العربية منها خصوصًا) ينتقد السياسات التي تقترح الحلول دون أن تعرف جذور المشكل، وينتقد تشرذم الأمة وظن قادتها أن المال قد يشتري الأمن والاستقلال، ويدعو لقيام الأمة وينقد مختلف الفرضيات مستدلًا بتجارب الأمم الأخرى، يدعو لحكمٍ إسلاميٍّ منضبط بقيم الإسلام أي سياسة إسلامية يطورها الفهم البشري دون الإدعاء أن ذلك الفهم هو مراد الله فقصاراه أن يراعي المبادئ الأساسية، بل من المقبول أن تكون ثمة عدة نماذج كلها إسلامية بتغير الظروف والأفهام.

أهم ما في الكتاب هو بساطته وتذكيره ببعض الحقائق والمفاهيم التي ميعت حتى لم تعد حاضرةً في ذهن الجيل الحالي، وأسوء ما فيه هو السطحية (نوعًا ما) في معالجة المشاكل والهروب بسرعة إلى مقولة (الإسلام هو الحل).

التقييم: 3/ 5 ⭐⭐⭐

السايفربانك، جوليان أسانج وآخرون

جوليان أسانج هو مؤسس ويكيليكس، ومعرفتك بهذا تجعلك تتوقع مضمون الكتاب. يتحدث عن حرية شبكة الأنترنت ومستقبلها. أما “السايفربانك” فمصطلح يرمز به إلى حركةٍ ترتكز على التشفير تسعى لجعل الاتصالات على الأنترنت أكثر سريةً.

يأتي الكتاب على هيئة حوارٍ بين جوليان أسانج وجاكوب أبلبوم وأندي مولر-ماغون وجيريمي زيمرمان وكلهم ناشطون في مجال حريات الأنترنت. ورغم أن معظم من يتحدث عن الأنترنت يضعها في مركزٍ هام بالنسبة للتطور البشري إلا أنهم –حسب الكاتب- يتجاهلون المخاطر التي تتضمنها وتكاد تعصف بالحضارة البشرية قريبًا إن لم ننتبه ونستدرك. وسبب التجاهل هذا هو عدم الوقوع في مخاطر حقيقية بسبب هذا الخطر لكن هؤلاء الناشطين وخصوصًا موقع ويكيليكس قد واجهوا هذه الأخطار. (ما هي هذه الأخطار؟!) إنه خطر الرقابة التي تفرضها الحكومات والشركات على الأنترنت، وبدلًا من أن تكون الأنترنت وسيلة البشرية للحرية من القيود الفكرية فستصبح وسيلة الحكومات للسيطرة على المجتمعات وتحقيق الدولة الشمولية. السبب الآخر لعدم إدراك هذا الخطر هو عدم امتلاك الأشخاص المدركين لوضع الرقابة العالمية لأي محفزٍ للحديث. الحل الذي يقترحه الكتاب هو تطوير التشفير وآلياته ووضع حدودٍ على الرقابة، ويستعرض بمنهجيةٍ بسيطةٍ وواضحة أثر الرقابة الممكن على مستقبل البشر ويستعرض العديد من القضايا والمشاكل المتعلقة بالرقابة.

الكتاب مترجم بطريقة ركيكةٍ للغايةٍ ولولا بساطة الأسلوب الأصلي واهتمامي الشديد بموضوع الكتاب لما تمكنت من إتمامه.

التقييم: 3/ 5 ⭐⭐⭐

روابط 🔗

أبدأ بالمواضيع المتعلقة بآخر كتاب:

توم سكوت واحد من أفضل الفلوجر الذين أتابعهم على اليوتيوب ويتناول مواضيع علمية مرتبطة أساسًا بالتكنولوجيا وأثرها في الحياة اليومية، طريقة تناوله للمواضيع جد مميزة ومن بين كل فيديوهاته أقترح هذا الفيديو القديم: ” I Know What You Did Five Minutes Ago” وهذا ” Blocking People in Real Life: Tom Scott at An Evening of Unnecessary Detail

برنامج خبايا الإعلام، سعدت جدًّا بوجود برنامج بهذا المستوى على التلفزيون الجزائري العمومي، وسعدت أيضًا بالمشاركة في إنتاجه كمدقق لغوي (لم أكن حاضرًا في مكان التصوير كي لا تحاسبوني على كل الأخطاء 😛 ).

اسمي موجود! (مدقق لغوي)

من جريدة لبنان عربي: اخترت مقال حروب الظل، أدوار خفية للسي آي آيه، ومقال: ” سجين في قصره… تفاصيل مثيرة عن أيام صدام حسين الأخيرة وعلاقتة بحراسه الأميركيين؟”

من مجلة حكمة: ألعاب العقل – كيرشنفلد مقال مفصل وموسوعي عن فكرة الألعاب ودورها المستقبلي كأداة تعليمية.

فيديو فلسفي لذيذ: محادثات عالمية مع الفيلسوف لوتشيانو فلوريدي، استضافته منصة معنى (التي أنصح بالإطلاع عليها للمهتمين بالفلسفة لأنها تقدم محتوى عالي الجودة).

وبين الشعر والفلسفة: مقال “هيدجر: الشعر راعي الوجود وحامي بيته“.

محاضرة (بالفرنسية) عن أهم التوجهات المستقبلية في عالم الشركات عام 2030، والمحاضر هو Joël de Rosnay دكتور وكاتب علمي ومدير لشركة استشارية في تأثير التكنولوجيا على الصناعات.

supa.video: موقع لإنشاء فيديوهات تسويقية للمواقع وحسابات التواصل الاجتماعي.

easel.ly: موقع يحول البيانات إلى رسوم إنفوجرافيك.

ختامًا 💌

أكره الاعتذار وأكره الإضطرار إليه، وما أكرهه أكثر أن أسمع اعتذارًا من شخصٍ لم يبذل جهده لتجنب الاعتذار أو يلوكه كلامًا دون فعلٍ سابقٍ ولا لاحق. ومع ذلك فإني أحب من يبادر بالاعتذار حتى لو لم يخطأ خطأً جسيمًا. ولأنك كقارئٍ لك حقٌ عليّ ولأن مكانتك معتبرة فإني أعتذر عن التأخر في نشر هذا العدد ولا يمكنني أن أعد بتكثيف النشر في الأيام المقبلة، لكني أعد ببذل ما في الوسع للتعويض عما فات بقدر طاقتي.

7 رأي حول “بوشنيات 03: مباهج بسيطة

اضافة لك

  1. رحم الله جدتك وتقبلها قبولاً حسناً.
    لكن لم أفهم كيف هي توفيت جراء إصابتها بكورونا من العدوى وأنتم ذاهبون إلى عزائها في تلك القرية
    بالنسبة لدوار السفر فأفضل وقاية منه هو عدم النوم والنظر إلى الخارج أثناء الطريق.
    ومادام ذكرت مبادرة أطلب من مدون، فأطلب منك المرة القادمة أن توثق هذه اﻷمكن التي ذكرتها بالكاميرا، مثل سلسلة جبال أطلس والمناطق الخضراء والنفق، والشجرة التي تستريحون تحتها، أنت وصّفت المناطق كأنك كاتب لكتاب، أما كتابة المدونة فتختلف عن الكتاب إذ تتميز بإمكانية تضمين الصور بدلاً من جعل القارئ يتخيل المشاهد المصورة بعين الكاتب.
    وإذا صورت بعضاً منها في شكل فيديو فسوف يكون أفضل، لكن لا أريد أن أشق عليك، خصوصاً أن التصوير يمكن أن يتسبب في حوادث – لا سمح الله- خصوصاً إذا كان المصور هو من يقود السيارة، لكن يمكنك تكليف أحد أشقائك بهذه المهمة إذا كنت أنت من تقد في المرة القادمة، وقل له لدينا واجب تدويني وطلب مني أخ من السودان هذه الصور.
    وسوف أتذكر ذلك يا مصطفى خلال العام عند زيارتكم القادمة لهذه المنطقة بإذن الله، إن مد الله في العمر.

    Liked by 1 person

    1. مرحبًا بك أستاذ أبو إياس
      بالنسبة للجدة -رحمها الله- لست متأكدًا من وفاتها بكورونا لكنها كانت معنا وتم نقل جثتها بعد وفاتها لتدفن في مسقط رأسها.
      بالنسبة للصور سأحاول إيجاد الصور السابقة التي عندي وإضافتها لهذه التدوينة، وسألتزم بطلبك في المرة القادمة التي أسافر فيها بإذن الله.
      ومرحبًا بك في منطقتنا 🙂

      Liked by 1 person

  2. تعليقي عن الجزء الأول
    تدوينة طوييييييلة
    ، لكن ممتعة ذكرتني برحلاتنا من العاصمة لبشار 😌
    أعجبتني الصور و أعجبني أنك شاركت ما لا يسر الناظرين أيضا ، نتشارك نفس القلق ” أمشي دون توقف وأحاول أخذ صورٍ دون أن يلمحني أحد”
    أتمنى زيارة المجتمع الميزابي يوما و معايشته
    دمتم سالمين

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: